للأسواق معايير وقواعد تتسبب في تحديد أسعار السلع، وليس الأمر مصادفة أو بالإتفاق بين التجار على سعر محدد للسلع إلا في حالات نادرة، لذلك نجد أسعار السلع تختلف قليلاً مابين متجر وآخر، ومن النادر جداً أن تكون ثابتة وموحدة تماماً.

والسؤال هو من المتحكم في تلك الأسعار بالزيادة أو النقص؟ هل هو صانع المنتج؟ أم التاجر؟ أم الموزع؟ أم الحكومة؟ وماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم حينما وقع الغلاء في عهده؟

وماهي أسباب فشل النظام الإشتراكي وتفوق النظام الرأسمالي في مسألة الأسواق، وكيف يتفوق النظام الإسلامي على كلا النظامين على قلة تبنّيه؟ هذا ما سنتعرف عليه سوياً في هذه المقالة.

معادلة تحديد أسعار السوق

كلنا نعرف أو على الأقل سمعنا بمصطلح “العرض والطلب” ومن المعروف إقتصادياً أنهما العاملين الرئيسيين في تحديد أسعار السلع، فإنخفاض الأسعار يحدث نتيجة زيادة في العرض أو نقص في الطلب، والعكس إرتفاع الأسعار يحدث نتيجة نقص في العرض أو زيادة في الطلب.

وسنرى لاحقاً كيف تتعامل الأنظمة الثلاثة (النظام الإسلامي – النظام الرأسمالي – النظام الإشتراكي) مع مسألة تحديد أسعار السوق وفقاً لنظرية العرض والطلب.

أما العملية التجارية فتبدأ بالتاجر أو المصنع أو الموزع أو البائع الذي يقوم بشراء المنتج من مصدره، ثم يحدد سعر البيع للمستهلك عن طريق حساب التكلفة كاملة ثم إضافة هامش الربح وفقاً لمعايير مثل متوسط الدخل أو غيرها، وللبائع كامل الحرية في تحديد سعر بيع المنتج.

ومع وجود محدد لسعر بيع المنتج إلا أن المتحكم في المنتج قبل وصوله إلى مالكه الأصلي هو المتحكم الحقيقي في الأسعار، بالزيادة أو النقصان، فمن هو المتحكم في مصدر المنتج أو بمعنى آخر المتحكم في إيجاد المنتج من عدمه للمصنع أو صاحب الأرض أو تاجر الجملة الذي يشتري منه بائع التجزئة؟

من هو المتحكم الحقيقي في أسعار السوق؟

بعد التعرف على كون العرض والطلب العاملين الأساسيين في تحديد السعر النهائي أو سعر بيع السلع، بقي أن نتعرف على المحدد الحقيقي للأسعار، الذي هو المتحكم في إيجاد المنتج إبتداءً، فهل هو المصنع أم التاجر أم الموزع أم الحكومة؟ أم غير هؤلاء؟

الجواب هو أن المتحكم في وفرة أو ندرة السلع أي وجودها من الأساس أو عدم وجودها هو الله سبحانه وتعالى.

مرتبط: كيف تحدد أسعار المنتجات في متجرك الإلكتروني

والدليل على ذلك أن الغلاء قد حدث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءه أناس فقالوا: يارسول الله سعر لنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم ‘إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم أو مال’ رواه الترمذي وغيره بسند صحيح.

وفي لفظ آخر ‘جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال سعّر! فقال بل أَدعوا، فجاء آخر فقال يارسول الله سعّر، فقال بل الله يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة’.

وخلاصة الأحاديث أن الله تعالى هو المتحكم في الأسعار وليس أحد سواه، عن طريق التحكم في وفرة أو ندرة المنتجات، ولذلك لم يتدخل النبي صلى الله عليه وسلم بأي شكل في تحديد أسعار السوق، ولم يعنف التجار.

وهذا مثال واقعي حقيقي، كان سعر الليمون في مصر قبل ثلاثة أشهر يساوي ١٠ جنيهات للكيلوغرام الواحد، والآن يساوي ١٠٠ جنيه للكيلوغرام، أي عشرة أضعاف سعره الأصلي، وهذه واقعة لم نشهدها أو نسمع بها من قبل.

والسبب في ذلك أن أشجار الليمون لم تطرح ثماراً كما كان معهوداً في السنوات الماضية بنفس الكمية، وقد سألت أكثر من مزارع بشكل شخصي لمعرفة السبب، فكان الجواب ‘قلة المحصول’ فمن يمتلك شجرتين جنى محصول واحدة منهما، والثانية لم تطرح، مع أنهم أخذوا بنفس الأسباب التي يأخذون بها في كل مرة، وقد يكون هذا بفعل المناخ المطّرب أو لأسباب أخرى.

ونستنتج من كل ذلك أن نمو الثمار ونزول المطر وخروج كنوز الأرض كلها بيد الله سبحانه وتعالى يقبض فيها ويبسط كيف يشاء، وهذا هو المحدد الرئيسي للأسعار إبتداءً، ونستنتج كذلك من الحديث أن الحاكم ليس له التدخل بتحديد السعر إذا لم يكن الغلاء مصطنعاً (أي بفعل فاعل).

ولذلك بعض الإقتصاديين يقولون أن سعر السوق يتحدد بعوامل طبيعية، ولا دخل للإنسان فيه، وهذا صحيح! بمعنى أن الإنسان لا دخل له في تحديدها، وأن الله هو مسبب الأسباب التي تؤدي إلى وفرة أو ندرة السلع.

تعامل النظم الإقتصادية المختلفة مع السوق

على مر العصور وتتابع أنظمة الحكم والإدارة المختلفة ظهرت أنظمة وضعها مجموعة من السياسيين والإقتصاديين لتنظيم إقتصاد الدولة وضبط الأسواق، والحرص على المصلحة العامة، وأشهر تلك الأنظمة النظامين الرأسمالي والإشتراكي.

مع وجود نظام ربّاني منزّل من عند الله يعد أقل الأنظمة تبنياً اليوم وهو النظام الإسلامي الذي يثبت دائماً تفوقه على غيره من الأنظمة، لأن من خلق هذا النظام هو من خلق كل شئ ويعلم الأصلح لهم.

ولا يفوتنا في هذه المقالة أن نقارن في مسألة تحديد أسعار السوق بين الأنظمة الثلاثة الأشهر، الإسلامي والرأسمالي والإشتراكي، ونبين أيها أفضل وأكثر توازناً وحكمة وعدلاً، وتحقيقاً لمصلحة البائع والمشتري.

١- النظام الإسلامي

النظام الإسلامي من ناحية أسعار السوق يمنع تحديد الأسعار تماماً، على حد قول جمهور الفقهاء، فتترك عملية البيع والشراء للتراضي بين البائع والمشتري وفقاً لقوله تعالى “إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم”، والتفوق فيه للمجتهد والمتقن وصاحب الخلق.

ومع ذلك فهو يسمح بتدخل الحاكم للمصلحة العامة في بعض الحالات التي يحدث فيها خلل في السوق بفعل فاعل، أو في حالات الإحتكار أو حبس السلع دون مبرر من قبل التجار مما يؤدي لتجويع الناس وغلاء الأسعار.

٢- النظام الرأسمالي

النظام الرأسمالي لا يتدخل في تحديد الأسعار ويعتمد على حرية السوق في تحديد أسعاره بناءً على العرض والطلب، ولكنه بخلاف النظام الإسلامي لا يمنع الإحتكار، فالمنافسة مفتوحة بلاحدود أو قيود، ويعتبر النظام الرأسمالي هو الأقرب للنظام الإسلامي في مسألة تحديد الأسعار.

٣- النظام الإشتراكي

النظام الإشتراكي على عكس الأنظمة السابقة يلزم التجار بأسعار محددة للسلع، ويمنع الإحتكار، فالدولة هي التي تنظم الأسواق وتتحكم في الموارد وتمنع الملكية الخاصة لمصادر الإنتاج بشكل قاطع.

الخلاصة

والخلاصة مما سبق أن المتحكم الفعلي في الأسعار إبتداءً هو الله عز وجل القابض الباسط، فيقبض أو يبسط المطر وكنوز الأرض والموارد الطبيعية، فترتفع أو تنخفض الأسعار، أما سعر البيع فيحدده المصنع أو التاجر أو الموزع بعد حساب التكلفة وإضافة هامش الربح.

وعند تبني سياسة تحديد الأسعار بشكل مطلق كما في النظام الإشتراكي، لابد أن يحدث خلل أو ظلم لطرف من أطراف عملية التجارة، فعند التسعير بالأقل قد يحبس التجار بضاعتهم لبيعها عندما تسعر بثمن أكبر، أو قد يكون الثمن المسعر أقل من الثمن الذي يرضي التاجر فيكون في ذلك بخس لحقه.

وقد يكون في التسعير إجبار للبائع والمشتري على البيع والشراء بسعر محدد بغير طيب نفس منهم، فالبائع والمشتري في مسألة الأسعار يحكمهم الإتفاق والتراضي وفقاً لقول الله تعالى “إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم”، والإجبار ينافي الحرية والتراضي.

وكذلك تحديد الأسعار يمثل السبب الأول لظهور السوق السوداء، فتزيد المعاملات الغير رسمية بيعاً وشراءً خارج عباءة الأسعار المحددة، للهروب منها وتحقيق مكاسب أكبر من الأسعار المحددة، فتضطر الدولة إلى تحرير الأسعار للقضاء على السوق السوداء.

ومع عدم جواز التدخل بتحديد الأسعار إلا أنه لايجب إهمال جانب مراقبة الأسواق من قبل المسؤولين، لمنع الإحتكار والغش والمغالاة وحبس المحتكرين لبضائعهم حتى يرتفع الثمن، وغير ذلك من الأمور اللا أخلاقية المنافية للشرع، كما هو الأمر في النظام الرأسمالي.

ومن الملاحظ من بين تلك الأنظمة في مسألة تحديد سعر السوق أن النظام الإسلامي يقف موقف الوسط، فلا يحدد الأسعار بل يتركها لتحدد بناءً على العرض والطلب، ولا يتركها بالكلية لتلاعب أو تواطؤ أو إحتكار التجار أو منتجي السلع، فيتدخل عند الضرورة إذا كان الغلاء مصطنعاً كما بينّا سابقاً.

وببساطة كانت هذه نبذة عن كيفية التسعير وضبط الأسواق، وماهو الصحيح الذي يجب على الحكومات فعله تجاه الأسواق، ليجني المجتهد والمتقن ثمار عمله، ولا ننسى أن الإيمان والتقوى عند المسلمين من أسباب الوفرة مصداقاً لقوله تعالى “ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض”.

وأخيراً إذا كانت لديك إستفسارات أو آراء حول مسألة الأسواق والتسعير يرجى كتابتها مشكوراً في مربع التعليقات.

مؤسس المدونة، مهتم بالشؤون الإقتصادية والتجارية وحاصل على دبلومات في مجال التجارة الدولية - صناعة المحتوى - التجارة الإلكترونية - التسويق الإلكتروني. هدفي هو تقديم كل المعلومات التي يمكن أن تفتح مجالات للأعمال، وأستقبل جميع مقترحاتكم وتعليقاتكم وانتقاداتكم بصدر رحب.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا