مال واقتصاد

كيف ساهم اللاجئين في نمو الإقتصاد الألماني وبعض الإقتصادات الكبرى في أوروبا “ميركل كانت على حق”

أثبتت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بُعد نظرها للإقتصاد الألماني بإستقبال أكثر من مليون لاجئ بالترحاب متحدية جميع الأصوات اليمينية المتطرفة المعادية للمهاجرين داخل دول الإتحاد الأوروبي.

مسألة اللجوء والهجرة كانت ولا تزال إحدى القضايا الشائكة في العالم وفي داخل الإتحاد الأوروبي خصوصاً، والأعضاء مابين مؤيد ومعارض لفكرة إستقبال اللاجئين، خاصة بين أحزاب اليمين الوسط واليمين المتطرف.

ويتزايد عدد المهاجرين واللاجئين بشكل كبير في وقت تشهد فيه المنطقة العربية حروباً وصراعات، أو مشاكل إقتصادية تدفع المواطنين للهجرة، معظم هؤلاء يلجأ في المقام الأول لدول الإتحاد الأوروبي، في الوقت الذي تعاني فيه أوروبا من أزمات مثل إنخفاض معدل الإنجاب، وأزمة الطاقة، وأزمة نقص العمالة.

نقص العمالة بالتحديد أزمة كانت موجودة قبل سنوات حتى من وقوع أزمة جائحة كورونا Covid-19، وقد إستطاعت المستشارة الألمانية ضرب المثل لعمالقة السياسة في كيف يجب أن تكون النظرة المستقبلية للساسة، عبر التعامل مع أزمة اللاجئين بجدارة كما سيتبين في الفقرات القليلة القادمة.

بينت الكاتبة “كاتي مارتون” في كتابها الرائع “المستشارة” كيف كانت سياسة المستشارة الألمانية “أنغيلا ميركل” تجاه قضية اللاجئين والإندماج في المجتمع الألماني، بحسب مقالة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز.

سياسة اللاجئين تلك ألهمت الكاتبة “مارتون” الرئيسة السابقة لمكتب قناة ABC News في ألمانيا، ومؤلفة تسعة كتب سابقة لتأليف كتاب “المستشارة”، مارتون هي نفسها إبنة للاجئين مجريين كانوا من ضحايا النازية، وهي أرملة سفير “بيل كلينتون” لألمانيا “ريتشارد هولبروك”.

قالت ميركل في إحدى خطاباتها “إذا فشلت أوروبا في مسألة اللاجئين فلن تكون أوروبا التي نريدها جميعاً”، ودعت الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي لإستقبال المزيد من الناس، وقالت “لا أريد الدخول في مسابقة حول من يمكنه معاملة هؤلاء الناس بشكل أسوأ في أوروبا”.

بالنسبة للمستشارة الجريئة والحذرة في نفس الوقت مثلت تلك الكلمات قفزة سياسية عظيمة في مسيرتها المهنية، ومثلت عملاً بطولياً أخلاقياً سيظل في سيرتها وإرثها.

بحلول نهاية عام ٢٠١٥ كان مليون لاجئ قد دخل إلى الأراضي الألمانية، وكان ذلك محل نقد من قبل كبار الساسة. قال “هنري كسنجر” تعليقاً على ذلك “إيواء لاجئ واحد هو عمل إنساني، لكن السماح بدخول مليون غريب فهذا أمر يعرِّض الحضارة الألمانية للخطر”.

وقال الكاتب الأمريكي “روس دوثات” منتقداً ميركل “أي شخص يعتقد أن ألمانيا يمكنها إستيعاب هجرة بهذا الكم، مع الإختلاف الثقافي الكبير بسلام فهو أحمق”، وعبر كذلك وزير الخزانة الأمريكي الأسبق “هانك باولسن” عن مخاوفه من أن قضية اللاجئين ستكون بمثابة “تراجع سياسي” للمستشارة الألمانية.

لفترة من الوقت بدا أن ذلك التشاؤم حول قضية اللاجئين مبرراً، وقد إستشهد الكاتب دوثات في مقالته بحادثة “إحتفال رأس السنة” في مدينة “كولونيا” حينما قام حشد من المهاجرين العرب والأفارقة بالإعتداء الجنسي على عشرات النساء.

وقد غذى تدفق اللاجئين صعود حزب “البديل” اليميني المتطرف الذي يسمى “حزب البديل من أجل ألمانيا” والذي حصل في إنتخابات عام ٢٠١٧ على ٩٤ مقعداً ليصبح أكبر حزب معارض في البرلمان الألماني.

إلى جانب كل ذلك، ألقى البعض باللوم على سياسات ميركل في تخويف البريطانيين مما دفعهم بشكل أسرع نحو الخروج من الإتحاد الأوروبي، وقال آخرون أن الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” كان يسيطر عليها، وفي خضم كل ذلك فقد حزب ميركل “الحزب الديمقراطي المسيحي” ٦٥ مقعداً في البرلمان.

لكن اليوم وبعد ست سنوات، لم تحدث أياً من الكوارث التي تنبأ بها منتقدي ميركل، ولم يمثل اللاجئين مشكلة لألمانيا. لذلك في الإنتخابات الأخيرة خسر حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف المعارض لسياسة ميركل تجاه اللاجئين.

قال “كونستانز ستلزنمولر” الخبير في العلاقات الدولية في معهد “بروكينجز” “لم يكن هناك سوى القليل من التطرف الإسلامي، والجرائم المتطرفة الأخرى الناتجة عن تلك الهجرة، وأنه على وجه العموم تم دمج أكبر عدد من المهاجرين بنجاح في قوة العمل الألمانية، وفي المجتمع الألماني بشكل عام”.

وقالت “مارتون” أيضاً “مع مرور الوقت تبين أن ميركل قد إختارت المسار الصحيح تماماً في تعاملها مع المهاجرين، ليس فقط لألمانيا بل لكل العالم”.

كتبت مارتون في كتابها “حينما وصلت قطاراتهم – أي اللاجئين – إلى مدينة ميونخ المشرقة، إستُقبِل الرجال والنساء والأطفال المنهكون ببحر من اللافتات التي كُتب عليها “مرحباً بكم في ألمانيا” لافتات مرفوعة عالياً وسط إبتهاج المواطنين الألمان المصطفين أمام محطة القطار، وتم تحويل المدارس والمتاجر إلى مساكن للاجئين”.

المصدر: BBC

يقول ستلزنمولر “كان الألمان أكثر من سعداء، في الواقع كانوا مبتهجين لرؤية أنفسهم في موقع “المنقذ الإنساني”.

وكان على اللاجئين وقتها أن يردوا الجميل لألمانيا، وأن يقدموا أكثر من مجرد صورة ذاتية جيدة، في بلد متقدم في السن يعاني من قلة الشباب، وإنخفاض معدل المواليد.

يقول ستلزنمولر “كان الإقتصاد يبحث عن العمالة قبل وباء كورونا، لذلك كان هناك طلب حقيقي ورغبة من قبل الشركات وسوق العمل لتوظيف الناس، وبالطبع في ألمانيا لدينا خبرة لعقود طويلة في مجال التدريب الوظيفي يُنظر إليها من قبل الدول الأوروبية، وفي الواقع من قبل الولايات المتحدة على أنها نموذج يحتذى به”.

ميركل قبل كل شئ كانت ترأس حزب اليمين الوسط، ولن يرحب جميع التقدميين دائماً بخطط ميركل نحو اللاجئين، نقلت مارتون عن ميركل قولها في إجتماع لحزبها عام ٢٠١٥ “يتحمل اللاجئون مسؤولية التكيف مع المجتمع الألماني، التعددية الثقافية خدعة”.

لذلك كان على الوافدين الجدد تعلم اللغة الألمانية والإنتشار في جميع أنحاء ألمانيا لتجنب عزلهم، وكانت ميركل مصرة دائماً على تجنب التركز الكثيف للمهاجرين في مناطق أو مدن محددة كما في فرنسا وبريطانيا.

مع كل ذلك لم تترك ميركل الحدود مفتوحة، فعقدت صفقة مثيرة للجدل مع الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” تقضي بإستقبال تركيا للاجئين ومنعهم من الإستمرار في الوصول إلى أوروبا. لم تكن ميركل لتستمر في منصبها طوال ١٦ عاماً لو تركت عاطفتها تطغى على رؤيتها للواقع.

فعلت ألمانيا شيئاً رائعاً بإستيعاب مليون شخص يائس في وقت كان فيه الآخرون يضعون أسلاكاً شائكة، وهو شئ يمكن لبقية العالم أن يتعلم منه في وقت تقوم فيه الحروب والكوارث البيئية بتهجير ملايين يمشون في جميع أنحاء العالم بحثاً عن ملاذ آمن.

قالت مارتون “لدينا حالة حقيقية ومثال حول كيفية سير مشكلة اللاجئين، وأتمنى أن يستفيد العالم من تجربة ميركل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

×