التوفير أو تقليل النفقات يعد أمراً محبباً لأصحاب الشركات ورواد الأعمال، لذلك تحتل الإدارات المالية في معظم الأحيان المراتب الأولى في السلم الوظيفي للشركات والمؤسسات.

لكن التوفير الخاطئ يكون أحد الأشياء التي تتسبب في وقوع ضحايا كما حدث مع شركة الطيران الأمريكية العملاقة ‘بوينج’ وغيرها من الشركات الكبرى التي تم إغلاقها أو إلحاق الضرر بالعملاء لدرجة وصلت إلى حد الموت.

وعلى الرغم من ذلك فإن تقليل النفقات هو أحد الإستراتيجيات الأساسية التي تضمن نجاح وإستمرار الشركات إذا تم بطريقة سليمة وفقاً لمعايير سنذكرها لاحقاً.

فمتى يكون قرار تقليل النفقات مهماً وضرورياً ومتى يكون مضراً ويجب عدم تطبيقه؟ وماهي أهم طرق التوفير التي تتبعها الشركات عند الرغبة في تقليل النفقات؟ هذا ما سنتعرف عليه من خلال هذه المقالة.

طرق تقليل النفقات (التوفير)

تقليل النفقات يعد أحد أهم إستراتيجيات الإدارة المالية الناجحة، والتوفير عموماً هو أحد الأفعال الجيدة والمفيدة سواءً للأسرة أو الشركة أو الدولة أو أي مؤسسة عامة أو خاصة.

أفضل طرق التوفير هي الإنفاق على قدر الحاجة لا أكثر ولا أقل

فإذا كنت تشترى ما لا تحتاج فلن يمكنك تقليل النفقات بأي حال من الأحوال، ومنذ كان موضوع هذه المقالة هو تقليل النفقات التي تخص الشركات أو الأعمال، نعطي بعض الأمثلة على أهم طرق تقليل النفقات التي تتبعها تلك الشركات عادةً:

١- توفير تكاليف الإنتاج:

ويعتمد هذا النوع من التوفير على إستغلال الموارد دون إهدار ولو جزءاً يسيراً منها، فمثلاً المطعم الذي يستخدم الزيت في إنتاج الوجبات لابد أن يهتم بقطرة الزيت الواحدة لدرجة أنه يمنع التخلص من وعاء الزيت حتى تتم تصفيته إلى آخر قطرة.

فقطرة الزيت المهدرة أو أي مادة إنتاجية أخرى إذا تم جمعها في نهاية العام سوف تكون كمية قد تتسبب في زيادة الأرباح أو تفادي الخسارة، وتخيل إذا فعلت ذلك في خمسين أو مائة صنف تستخدمه في مطعمك كم من المال يمكن أن توفر!

٢- تقليل النفقات الترفيهية:

وهذا النوع من التوفير قد يتم في حالات الطوارئ أو الأزمات المالية، فمثلاً يتم إلغاء فواتير الإتصالات المفتوحة وعمل باقات محددة للموظفين بحسب الحاجة، أو تقليل نفقات السفر فبدلاً من نقل المدراء والموظفين في الدرجة الأولى يتم نقلهم في الدرجة الإقتصادية.

ويفضل في الأصل البدء بطريقة إقتصادية لا تؤثر بالسلب على سير العمل أو تعطله بأي شكل، ولا تسبب مشاكل نفسية أو معنوية للموظفين.

٢- تقليل نفقات العمالة:

يمثل هذا النوع من التوفير الجزء الأهم في توفير النفقات، وهو الذي تلجأ إليه الشركات لتوفير الكثير من الأموال عند الحاجة، عن طريق الإستغناء عن بعض العمالة الغير ضرورية التي يمكن أن تسير الشركة بدونها.

مع الحرص على عدم إحداث أي خلل أو ضرر بالمنتج الأساسي أو الخدمات التي تقدمها الشركة، وتلجأ الشركات إلى تلك الطريقة أيضاً في حالة وجود آلة بديلة أو تقنية يمكنها القيام بعمل أكثر من موظف في نفس الوقت.

وهذا النوع من التوفير هو الأكثر رواجاً اليوم بسبب التقدم الكبير في مجال التكنولوجيا والحوسبة، لكنه هو نفس النوع من التوفير الذي عادة ما يتسبب في الكوارث التي يمكن أن تحل بأي شركة، لسبب واحد وهو أن الموارد البشرية تمثل العامل الأهم في نجاح الشركات والمؤسسات مهما كانت المتغيرات.

حوادث طائرات متتالية بسبب التوفير

في مجال الطيران المدني تعرف شركة ‘بوينج’ الأمريكية بكونها شركة رائدة في صناعة الطائرات، تنافسها على الجانب الآخر شركة فرنسية شهيرة تسمى ‘إيرباص’ وهما الشركتان اللتان تستحوذان على سوق صناعة الطائرات المدنية في العالم، فكلما طرحت شركة طرازاً جديداً من الطائرات تقوم الأخرى بالرد بطرح طراز أكثر تطوراً منها، وهذا النوع من التنافس بين الشركات هو أمر طبيعي ومفهوم.

ومن هنا جاءت كوارث طائرات بوينج 737-Max بينما كانت تقل مئات الركاب على متنها. ففي عام ٢٠١٠ طرحت شركة إيرباص طائرة جديدة من طراز A320 تميزت بتوفير الوقود مقارنة بغيرها من الطائرات، فباعت في أسبوع واحد كمية تفوق مبيعات شركة بوينج على مدار ذلك العام كاملًا.

فبدأت شركة بوينج بالإسراع قدر الإمكان في إنشاء طراز جديد منافس على غرار طائرات إيرباص، وكانت أوامر الإدارة أن يتم ذلك في أسرع وقت بأقل تكلفة ممكنة، ولا مجال للتأخر أو زيادة التكلفة بأي حال من الأحوال.

فتعاقدت وفقاً لمقالة نشرها موقع بلومبرج مع شركة برمجة هندية لتطوير برنامج التحكم التلقائي في الطائرة، وتم إنجاز تلك المهمة بسرعة وبتكلفة قليلة للغاية أنهت حياة مايقرب من أربعمائة شخص.

ومع أن بوينج تحقق عائدات تقدر بمليارات الدولارات إلا أنها لم تدفع مايكفي لتوظيف مبرمجين محترفين للعمل على مشروع بوينج ٧٣٧ ماكس، وبدلاً من ذلك إستعانت بمبرمجين يعملون مقابل ٩ دولارات في الساعة لعمل برامج تتحكم في حياة المئات.

فبين عامي ٢٠١٨ و ٢٠١٩ وقعت حادثتين مروعتين الأولى لطائرة Lion Air التي أقلعت من إندونيسيا وسقطت بعد ١٢ دقيقة من إقلاعها، والثانية لطائرة Ethiopian Airlines التي تلتها بما يقارب الخمسة أشهر، فأدى ذلك إلى إلغاء جميع رحلات طائرات بوينج ٧٣٧ ماكس حول العالم، مما كلف الشركة خسائر تعدت الستة مليارات دولار.

وأرجعت التحقيقات سبب تلك الكوارث إلى خلل حدث بسبب نظام التحكم التلقائي للطائرة، فقيل أن النظام يسمح بتحكم طيارين في نفس الوقت في حين أن بعض الأنظمة الأخرى لا تسمح بذلك لعدم حدوث تضارب في الأوامر، وقيل أن البرنامج لا يعطي مؤشرات أو إنذار عند وجود خلل، بالتالي لا يستطيع الطيار إتخاذ الإجراء المناسب.

وقيل أن النظام في بعض الأحوال الجوية يقوم بإجراءات تلقائية فيظن الطيار أنها حدثت بالخطأ فيقوم بإعطاء أمر معاكس فيعود النظام للأمر التلقائي مرة ثانية، وهو ما أدى في النهاية لإرتباك الطائرة وسقوطها.

وعلى كل حال هذا مثال على التوفير الخاطئ الذي كلف الشركة مليارات الدولارات، وكلف الناس حياتهم، في حين أن شركات مثل إيرباص تنفق ملايين الدولارات على المبرمجين المحترفين وعلى أبحاث برمجة وتطوير أنظمة الطيران، مقابل شركة كبرى مثل بوينج تستعين بمبرمجين من شركات خارجية وبأرخص الأسعار.

ملخص المقالة

الخلاصة أن التوفير الزائد عن الحد يؤدي حتماً إلى حدوث خسائر فادحة، فشركة بوينج قلصت نفقات المبرمجين على أمل توفر ملايين الدولارات على مدى السنوات التي تم العمل فيها على طائرات ٧٣٧ ماكس، فخسرت مليارات الدولارات مقابل تلك الملايين.

ولا يجب التوفير على حساب الإخلال بالجودة أو الصحة أو السلامة لأي سبب، فحينما تبدأ بتوفير النفقات التي تشكل أساس منتجك أو خدمتك تبدأ بالإنحدار. وخصوصاً النفقات التي تستهلك في تطبيق وتعزيز معايير الجودة والسلامة والصحة.

فلو كنت في إدارة شركة بوينج لدفعت ضعف ما تدفع الشركات الأخرى خصوصاً للمطورين والمبرمجين، حيث أن الطائرات تعتمد بشكل كلي تقريباً على برامج وأنظمة لوغاريتمية، ومن المعروف في مجال البرمجة أن البرامج تحتاج لمراجعة وتجربة وتأني وإشراف ومراقبة قبل طرحها وخصوصاً تلك التي تتعلق بأرواح البشر.

ففي هذه المدونة على سبيل المثال يتم توفير نفقات موظفي التسويق أو الكتّاب، عن طريق إستغلال أدوات مثل الهاتف الذكي وبعض برامج النشر التلقائية وتطبيقات التسويق الإلكتروني، لكن لا يتم بأي حال الإخلال أو التفريط في جودة المقالات والمحتوى، لأن هذا هو أساس المنتج.

ولا يتم كذلك توفير نفقات شركات الإستضافة المتميزة وأنظمة تأمين المواقع، والكشف عن الأخطاء والمشكلات البرمجية، بل على العكس يتم زيادة النفقات في تلك الجوانب بمرور الوقت.

وأخيراً إذا كانت لديك تجربة شخصية في مسألة التوفير الصحيح والخاطئ على نطاق الأسرة أو العمل، يرجى مشكوراً مشاركتها معنا عن طريق كتابتها في مربع التعليقات.

مؤسس المدونة، مهتم بالشؤون الإقتصادية والتجارية وحاصل على دبلومات في مجال التجارة الدولية - صناعة المحتوى - التجارة الإلكترونية - التسويق الإلكتروني. هدفي هو تقديم كل المعلومات التي يمكن أن تفتح مجالات للأعمال، وأستقبل جميع مقترحاتكم وتعليقاتكم وانتقاداتكم بصدر رحب.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا