لماذا صعدت مواقع التسوق والشركات الصينية بتلك السرعة حتي وإن كانت تستهدف دولاً غير الصين؟ وخير مثال نضربه علي ذلك هو موقع علي إكسبريس الذي إستطاع الإستحواذ علي سوق التجارة الإلكترونية تقريباً في غضون خمسة أعوام من نشأته، متخطياً مواقع عالمية انشئت منذ أكثر من عشرين عاماً، من ناحية الإنتشار وحجم المبيعات. ومن قبله موقع علي بابا الأول في العالم في مجال التجارة الدولية، ناهيك عن المصانع والشركات العملاقة التي تصنع المنتجات الرائدة في عالم التكنولوجيا.

فهل هناك سبب خفي وراء ذلك؟ وهل تعد الحكومة الصينية أحد أهم الأسباب؟ هل الموارد البشرية الهائلة مع الإدارة الحكيمة هي السبب؟ إذا لم يكن ماسبق فما هو السبب الحقيقي وراء التقدم السريع للشركات والمواقع الصينية؟! والإقتصاد الصيني بشكل عام؟

من خلال تجاربنا في مجال التجارة الدولية مع العديد من الشركات الصينية توصلنا إلي بعض الإستنتاجات المثيرة والتي يدعو بعضها إلي التأمل. كذلك من خلال البحث توصلنا إلي أن هناك سببين رئيسيين وراء تقدم وإنتشار المنتجات والمواقع الصينية بسرعة كبيرة علي الساحة الدولية، وهما أولاً نزاهة وشفافية الحكومة الصينية وحسن إدارة العنصر البشري، ثانياً سمات إيجابية وفريدة يتمتع بها البائع والتاجر والمسوق الصيني!

– أولاً الحكومة الصينية (الدعم – التخطيط – محاربة الفساد)

منذ سطوع نجم الإمبراطورية الصينية في القرن الواحد والعشرين، زاد الحديث عن الثورة الصناعية في الصين وعن مدي قوة وتدخل الحكومة الإشتراكية في صناعة تلك الطفرة الإقتصادية، بمساعدة العنصر البشري الصيني الهائل، وكل ذلك طرح بدوره تساؤلات حول أسباب هذا الإزدهار خصوصاً في القطاع الصناعي في الصين.

وكما ذكرنا من خلال البحث وقراءة العديد من التقارير والمقالات فإن الدعم الحكومي – والتخطيط – ومحاربة الفساد معاً كانت أحد الأسباب الرئيسية في الإزدهار، وسنتحدث عن كل واحدة بشئ من الإختصار:

– أولاً دعم الشركات الصغيرة والناشئة: تقوم الحكومة الصينية بتقديم الدعم للشركات الخاصة عن طريق توفير قروض كبيرة وميسرة في ذات الوقت من ناحية السداد، وتسهيلات ضريبية خففت من قلق المستثمرين حيال الضرائب وشجعتهم بشكل أكبر علي الإستثمار، وقد وصل ذلك الدعم حتي إلي الشركات التي تنافس الشركات الحكومية، مما أدي في النهاية إلي توظيف تلك الشركات لمايقرب من ٨٠٪؜ من القوي العاملة في الصين!

وللعلم فقد كانت الحكومة الصينية في عام ١٩٩٩ تمتلك مانسبته حوالي ٦٩٪؜ من حصص الشركات الصينية، وبعد ذلك بعشر سنوات تقريباً حتي عام ٢٠٠٩ تقلصت تلك الحصة إلي ٤١٪ ثم إلي ٢٧٪؜ في السنوات الخمس الماضية،؜ وهو مايعني إعطاء فرصة أكبر لرجال الأعمال والمستثمرين!

– ثانياً التخطيط الجيد والمستمر: فالحكومة الصينية تضع خططاً (قصيرة المدي) و (طويلة المدي) يتم تنفيذها معاً وبشكل مباشر فور وضعها، وتقوم هذه الخطط علي مراقبة وتقليل المخاطر التي تحيط بالسوق منذ أن تحول الإقتصاد الصيني إلي إقتصاد يعتمد بالأساس علي حرية السوق وتقليل سيطرة الحكومة عليه وهو مايعرف إصطلاحاً (بإقتصاد السوق).

وتقوم كذلك تلك الخطط علي مناقشة ومواجهة التحديات المُحتملة أو الموجودة فعليا، وتعرف تلك الخطط بالخطط الخمسية حيث أن الحكومة الصينية تقوم بوضع خطة جديدة بشكل دوري في كل خمس سنوات!

– ثالثاً الشفافية ومحاربة الفساد: فبجانب الدعم الحكومي والتخطيط تتمتع الحكومة الصينية بشئ يمثل دائماً اللبنة الأولي في تقدم الدول أو حتي المؤسسات الصغيرة وهو الشفافية والنزاهة ومعاقبة الفاسدين.

فعلي خلفية ذكر معاقبة الفاسدين، في عام ٢٠٠٧ تم تنفيذ حكم الإعدام بحق أحد مسؤولي منظمة “أمن الدواء والغذاء” الصينية! بعد ثبوت تهم فساد ضده كان أهمها تلقي رشاوي تقدر بحوالي ٨٥٠ ألف دولار! من ثمان شركات وذلك للموافقة علي تصنيع أدوية ثبت فسادها لاحقاً أدت إلي وفاة بعض المواطنين.

وكانت تلك هي المرة الأولي التي ينفذ بها حكم الإعدام بحق مسؤول صيني رفيع المستوي! وليس هو فقط بل تم إعدام عدة موظفين آخرين في نفس القضية وفقاً لتقرير موقع China Daily الذي يمكن الإطلاع عليه كاملاً من هنا.

وبعد ذلك بعامين فقط في ٢٠٠٩ تم إعدام مسؤول صيني آخر عمل مديراً لمطار بكين الدولي بتهم فساد أيضاً لكنها تعد هذه المرة أكبر من سابقاتها حيث وصلت الرشاوي التي تلقاها إلي مايقرب من ٢ مليون دولار، بجانب إختلاس مايقرب من ٧ مليون دولار طبقاً لتقرير ورد في صحيفة الجارديان.

بفضل تلك الجهود وحتي بلغت الصين عام ٢٠١٥ تم تصنيفها كأسرع إقتصادات العالم نمواً، وثاني أكبر إقتصادات العالم، والأولي من حيث حجم الصادرات العالمية، وأدي ذلك النمو الهائل في النهاية إلي إنتشال أكثر من ٨٠٠ مليون مواطن صيني كانوا يعيشون تحت خط الفقر بحسب تقرير البنك الدولي.

– ثانياً سمات العامل الصيني

السبب الثاني من وجهة نظرنا وهو لايقل أهمية عن الدعم الحكومي وحسن الإدارة والقيادة، يتمثل في العنصر البشري الذي يعد الأهم في نجاح أي دولة أو مؤسسة، ويتمثل هذا السبب بإختصار في سمات أو (صفات) العامل الصيني.

فمن خلال تعاملنا لسنوات مع بائعين وتجار ومسوقين صينيين وجدنا منهم ماسنذكر عن تجارب واقعية، وقد لاحظنا فرقاً بينهم وبين البائعين من أعراق اخري، إلا أن ذلك لا يعني عدم وجود أشخاص لهم نفس الصفات في أعراق اخري لكن بنسبة قد تكون أقل مقارنة بهم.

وهو ما أصبح مع مرور السنين جزءاً من تكوين شخصية العامل الصيني خصوصاً في القطاع الصناعي، وقد يكون السبب وراء تحلي العامل الصيني بتلك الصفات، هو التربية وقد يكون مجرد دورات تدريبية خاصة يجب إتمامها وإتقانها قبل دخول مجال التجارة، عموماً هذه بعض سمات العامل الصيني الذي يتمثل في البائع والتاجر والمسوق:

١- الإصرار والعزيمة: البائع الصيني يمتلك إصراراً وعزيمة هائلين تجعلانه يحاول تعلم لغتك أحياناً والتعرف علي ثقافتك ليستطيع التواصل معك بشكل جيد، وتوفير متطلباتك، فمعظم الباعة الصينيين اليوم يتحدثون الإنجليزية ويعرفون متطلبات التجارة في بلدك، وقد تعرف أنت منهم بعض المتطلبات التي تسهل عليك عملية دخول المنتجات وعبورها من المنافذ الجمركية في دولتك.

٢- صبر بلا حدود: قد تحتد كثيراً علي بائع صيني أو تغضب منه في بعض الأحيان، أو تسأله مائة سؤال أو أكثر من دون مبالغة، لكن تجده دائماً يتحلي بالهدوء والصبر العجيب الذي ستتعجب أنت منه.

٣- عدم اليأس: البائع والمسوق الصيني لايعرف اليأس وقد يظل علي صداقة معك لسنوات طويلة علي أمل أن تكون أحد عملائه المستقبليين، ويظل يكرر محاولات البيع كل فترة ولو لسنين، علي أمل أنك ستصبح أحد عملائه وتشتري بضاعته يوماً ما.

وهناك علي سبيل المثال العديد من المسوقين الصينيين الذين يقومون بمراسلتنا بين الحين والآخر للحديث عن متاجرهم الإلكترونية أو منتجاتهم، وقد لانجيبهم لشهور طويلة لكن مع ذلك لاتزال تصلنا رسائلهم وباللغتين العربية والإنجليزية، فلا يعرفون الملل من المحاولات حتي الوصول إلي الهدف.

فإذا كانت لديك منصة تسويقية أو مدونة متميزة أو قناة مشهورة علي يوتيوب فبالتأكيد قد وصلتك رسائلهم وعروضهم لتسويق منتجاتهم والتعاون معك.

٤- تقديس وإرضاء العملاء: تحتل مسألة إرضاء العملاء المرتبة الأولي بالنسبة للعامل الصيني، فعند تحدثنا ذات مرة مع فتاة صينية تعمل في قسم المبيعات بأحد مصانع الأقمشة، قالت في سياق حديث بالإنجليزية (Customer Is God) وتعني بالعربية (العميل هو الإله) وهذا بالتأكيد يخالف عقائدنا لكن المغزي أنهم يعتبرون العميل بمثابة الإله. كناية عن أهميته بالنسبة لهم.

٥- الترحيب والمعاملة: جرب أن تخبر تاجراً أو صاحب شركة أنك ترغب بزيارة شركته، ستجد جميع أشكال الترحيب الممكنة وتسهيل الأمر إن لزم لإستقبالك منذ لحظة وصولك، حتي أنك إذا زرتهم بالفعل سيجعلونك تشعر وكأنك العميل الوحيد والأهم الذي يقوم بزيارتهم.

٦- العمل بمقابل أقل: تعرف العمالة الصينية بأنها رخيصة مقارنة بالعمالة الأوروبية أو الغربية عموماً وهذا حقيقي، ومع ذلك فالعامل الصيني يتقن عمله بشكل كبير، وقد أدي ذلك إلي إتجاه بعض الشركات العالمية مثل أبل ونوكيا من قبلها وشركات اخري في جميع الصناعات الخفيفة والثقيلة لتصنيع منتجاتها في الصين.

فمن الطبيعي إذا كانت العمالة رخيصة ومتقنة فالتكلفة بالتالي تكون أقل من التصنيع في أوروبا مقابل رواتب باهظة. لذلك أغلقت الكثير من المصانع أبوابها في أوروبا وأمريكا، وقامت بفتحها من جديد داخل الصين.

٧- الجودة والإتقان: وبالطبع لاننسي الإتقان في العمل، فالتاجر أو العامل الصيني لديه من الدقة والإتقان ما جعل الصناعات الصينية تتصدر الصناعات في العالم، وتحتل الأسواق العالمية مسببة ركود للكثير من الصناعات العالمية الاخري.

فستجد ما لايخطر ببالك من منتجات، بجانب أنه يمكنك عمل ماتشاء من منتجات وإبتكارات من الإبرة إلي الصاروخ كما يقال، في أحد مصانع الصين وبالجودة والتكلفة التي تحددها أنت. وسيتم في النهاية تلبية متطلباتك كما هو متفق عليه تماماً دون تغيير أو نقص.

إقرأ أيضاً: عبارة “صنع في الصين” هل تعني بالضرورة تدني الجودة؟!

ختاماً

هذه المقالة لم يكن الغرض منها الترويج للحكومة الصينية أو العامل الصيني وإظهارهم كأنهم الأفضل علي الإطلاق، وإنما لسرد واقع حقيقي حادث بالفعل، أدي بالصين إلي الإصطفاف بين أوائل الدول الصناعية في العالم!

إلا أن كونهم أحد الشعوب المتقدمة صناعياً والمتقنة لأحد المجالات لايعني تماماً كونهم أفضل الشعوب، فهناك من يفوقهم في مجالات اخري! ولايعني ذلك أيضاً عدم وجود محتالين في الصين بل هناك الكثيرين منهم مع كل ماذكرنا.

إقرأ أيضاً: إحذر التعامل مع هذه الشركات الوهمية!

فبإختصار من واقع التجربة الصينية ومن خلال تجارب إدارية شخصية أيضاً، يمكن القول أن التقدم والإزدهار يحدث أولاً بالشفافية ومحاربة الفساد، ثانياً بالعمل الدؤوب وتوظيف ودعم أصحاب المواهب والأفكار التطويرية مع وضع كل شخص في مكانه الصحيح.

وكما هي عادة السنن الكونية فعند تطبيق ذات النهج ليس علي الدول فقط بل حتي علي الشركات أو المؤسسات وبعد توفيق الله تكون المحصلة هي نفس النتائج…التقدم والتطور والإزدهار!