هناك الكثير من الأدلة على وجود رابط إقتصادي وسياسي وثيق بين الولايات المتحدة ودول العالم يمكنها من التحكم بشكل كبير في مسار الإقتصاد العالمي. خصوصاً بعد أن أصبحت الأقوى عسكرياً، حيث مكنتها هذه القوة من فرض كثير من السياسات العسكرية والإقتصادية والإجتماعية على دول العالم كما هو واضح ومعلوم.

فكيف إستطاعت الولايات المتحدة خلق نظام مالي جديد وفرضه على العالم؟ وكيف إستطاعت تدريجياً تحويل الدولار إلى غطاء نقدي بدلاً من الذهب الذي كان معمولاً به منذ القرن الثامن عشر؟

وما هو دور الرئيس الفرنسي ‘شارل ديجول’ في كشف مسألة طباعة الدولار دون غطاء نقدي؟ وكيف أنقذ النفط السعودي الدولار الأمريكي حينما قررت بعض الدول الأوروبية مقاطعته؟ سنتعرف على كل ذلك سوياً في هذه المقالة.

بداية الهيمنة الأمريكية على الإقتصاد العالمي

أظهرت الولايات المتحدة منذ بداية الحرب العالمية الثانية عام ١٩٣٩ قوة عسكرية مفرطة أدت إلى ترجيح كفة الحرب لصالح الحلفاء (إنجلترا وروسيا والصين) ضد (ألمانيا وإيطاليا واليابان) في حرب دامت لست سنوات متتالية.

وبدأت فيما بعد بسبب تلك القوة بفرض أنظمة نقدية جديدة على معظم دول العالم، وأخذت تتدخل في شؤونها الداخلية بطريقة واضحة من خلال مؤسسات مالية شهيرة كصندوق النقد الدولي الذي أُنشئ على غرار معاهدة بريتون وودز التي سنتطرق إليها لاحقًا.

ومن العدل القول بأن بناء تلك القوة إستغرق الكثير من الوقت والجهد والتضحية وبذل الأموال، ولم يكن الأمر وليد الحظ أو الصدفة، فكل من يحكم الولايات المتحدة يظل يطرق جميع الأبواب السياسية والإقتصادية والإجتماعية والتعليمية والتكنولوجية لتكون الدولة الأكبر والأقوى في العالم.

وكان من نتاج تلك الجهود صناعة السلاح الأكثر فتكاً وقتها والمتمثل في ‘القنبلة الذرية’ Atomic Bomb التي أخافت العالم منذ تم إستخدامها لأول مرة في التاريخ ضد اليابان في العام الأخير من الحرب العالمية الثانية ‘١٩٤٥’ مما أدى إلى إستسلامها مباشرة، ومن ثم إنهاء الحرب بإنتصار الولايات المتحدة وحلفائها!

وبطريقة ذكية أنهت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية التي قتل فيها ما لا يقل عن ٨٠ مليون إنسان، فجعلها ذلك الموقف تبدو للعالم في صورة الدولة الأقوى عسكرياً وإقتصادياً، وجعلها تتحول إلى قبلة الباحثين عن الأمن والحماية والحرية.

وقد كانت الولايات المتحدة خلال سنوات الحرب الدولة الأكثر إستقراراً في العالم من الناحية الإقتصادية، وهذا ما مهد لاحقاً لتصدر الدولار الأمريكي لعملات العالم.

معاهدة ‘بريتون وودز’ Bretton Woods Agreement

في عام ١٩٤٤ أي قبل عام على نهاية الحرب العالمية الثانية، إستضافت مدينة بريتون وودز الأمريكية مؤتمراً مالياً عالمياً، ضم ٤٤ دولة من الدول التي كانت في معسكر الحلفاء.

وكان الهدف من هذا المؤتمر هو وضع سياسات نقدية تساهم في تنمية إقتصادات الدول المنهكة بسبب الحرب، وتعزيز التجارة الدولية، وإعادة القوة إلى العملات الأوروبية التي تدهورت خلال سنوات الحرب، وقد غير هذا المؤتمر فيما بعد مجرى الإقتصاد العالمي.

كانت من بين أهم السياسات التي تم مناقشتها سياسة ‘الغطاء الذهبي’ أو ‘قاعدة الذهب’ (Gold Standard) والغطاء الذهبي بطريقة مبسطة هي قاعدة تبنتها بريطانيا في القرن الثامن عشر.

حيث كان التعامل النقدي يتم منذ آلاف السنين بالنقود الذهبية والفضية، لكن منذ زيادة حجم المعاملات المالية ورغبة الدول في التوسع بتمويل الجيوش في الحروب الداخلية والخارجية، فكانت هناك رغبة من الدول بجمع الذهب المتداول من قبل عامة الناس.

وكانت هناك مؤسسات مالية ‘البنوك’ التي تم إنشاؤها بواسطة بعض العائلات الأغنى في العالم لجمع النقود أو إقراضها للحكومات والأفراد مقابل فوائد، وفي حالة الإيداع يتم إعطاء صاحب النقود مستند ورقي يثبت ملكيته لتلك الكمية من النقود الذهبية.

فيمكن لمالك هذا المستند الذي يعرف اليوم بالأوراق المالية الشراء بقيمة مايملكه من الذهب، وعند إنتقال هذه الورقة المالية لشخص آخر يصبح هو مالك القطع الذهبية وهكذا، وكان يحق لأي شخص وقتها الذهاب إلى البنك وإستبدال تلك الأوراق بالقطع الذهبية، وبعد بريطانيا تبنت معظم دول العالم سياسة الغطاء الذهبي.

وبالعودة إلى مؤتمر بريتون وودز، فقد نتج عنه إقناع الولايات المتحدة الدول المشاركة بربط عملاتها بالدولار لأنه كان الأكثر إستقراراً وقتها، مع إمكانية إستبدال الدولار بالذهب في أي وقت، وتم تحديد سعر أونصة الذهب بقيمة ٣٥ دولار.

وتعهدت الولايات المتحدة بعدم طباعة أي دولار دون وجود ما يغطيه من الذهب، فوافقت الدول المشاركة وظل العمل بتلك الإتفاقية لما يقارب الخمسة وعشرون عاماً حتى عام ١٩٧١.

وقد أسفر كذلك مؤتمر بريتون وودز عن خلق مؤسسات مالية أمريكية لتنفيذ وضبط عمليات التبادل النقدي المتفق عليها مثل البنك الدولى، بالإضافة إلى صندوق النقد الدولي الذي أصبح اليوم المقرض الأول لحكومات العالم.

أما الخطوة الثانية والأخيرة في الهيمنة الإقتصادية الأمريكية فكانت عام ١٩٧١ حينما طالب الرئيس الفرنسي وقتها ‘شارل ديجول’ الولايات المتحدة بإستبدال الدولار الموجود في خزينة الدولة بالذهب، جراء شعوره بأزمة تعصف بالدولار خلال حرب فيتنام.

وبالفعل إتضح أن الولايات المتحدة وقتها لم تكن تملك تلك الكمية من الذهب! فقرر الرئيس الأمريكي وقتها ‘ريتشارد نيكسون’ إلغاء العمل بالغطاء الذهبي تماماً وهو القرار المعروف سياسياً بصدمة نيكسون Nixon Shock.

فقررت بعض الدول بعد هذا القرار إيقاف العمل بالدولار الأمريكي في المعاملات التجارية والدولية كنوع من الضغط على الولايات المتحدة والتعبير عن رفض هذا القرار الذي مثل خدعة كبرى للعالم، ولعدم ثقتهم في قيمة الدولار الذي كان يطبع لسنوات دون غطاء ذهبي.

فجعلت تلك المقاطعة (بجانب حرب فيتنام) قيمة الدولار تهبط فعلياً لزيادة النفقات العسكرية وقلة الطلب على الدولار، لتبدأ الولايات المتحدة بالبحث عن إستراتيجيات جديدة لرفع قيمة الدولار وإعادة الثقة فيه كعملة عالمية.

إتفاقية النفط مقابل الدولار Petrodollar

بدت بوادر أزمة إقتصادية طاحنة تلوح في الأفق الأمريكي بسبب مقاطعة الدولار الأمريكي من قبل الدول الرافضة لقرار ‘نيكسون’ إضافة إلى الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة في فيتنام لسنوات طويلة قاربت التسعة عشر عاماً تكبدت فيها خسائر مادية وبشرية كبيرة.

وكان وقتها البترول أحد السلع الإستراتيجية الأكثر رواجاً في العالم لإستخداماته المتعددة، فذهب رئيس الولايات المتحدة ‘هنري كيسنجر’ عام ١٩٧٤ إلى الدولة التي كانت تمتلك أكبر مخزون من النفط في العالم ‘المملكة العربية السعودية’ لعقد إتفاقية ستكون فيما بعد سبباً في إنقاذ الدولار الأمريكي من أزماته المتتالية وهي إتفاقية ‘النفط مقابل الدولار’ Petrodollar Agreement.

هذه الإتفاقية تنص على حماية الولايات المتحدة الأمريكية للمملكة العربية السعودية ومصالحها، مقابل أن تبيع البترول للدول المستوردة بعملة واحدة فقط وهي الدولار الأمريكي، وأن تعمل على إقناع كبار مصدري ومستوردي النفط في العالم بإستخدام الدولار في تجارة البترول العالمية.

وهذا جعل الدول تقبل بالفعل على الدولار من جديد، فزاد الطلب على الدولار، وتتابعت دول العالم المصدرة للنفط ببيعه مقابل الدولار، وهذا ما جعل النفط وقتها يمثل الغطاء النقدي الجديد بدلاً من الذهب، حتى أنه سمي منذ ذلك الحين (الذهب الأسود).

ومنذ هذا التاريخ وحتى اليوم ظل الدولار الأمريكي هو الغطاء النقدي الحقيقي الذي يقاس به إقتصاد الدول، بمعنى آخر إذا كنت تمتلك نقوداً لا يوجد بقيمتها دولارات في خزينة دولتك فهي مجرد أوراق لا قيمة لها.

الخلاصة

وخلاصة ماسبق أن القوة العسكرية للولايات المتحدة هي التي ساعدتها على التحكم في سياسة النقد العالمية كيفما شائت، وهي التي دفعت الولايات المتحدة لنقض إتفاقية بريتون وودز دون إعتبار أو خوف من قوة أخرى، ومن ثم الهيمنة الإقتصادية وفرض السياسات النقدية التي تراها مناسبة.

تلك القوة العسكرية التي لم تحدث بطريق الصدفة أو الحظ، وإنما بطريق العمل والإجتهاد والتضحية (حتى وإن كان هناك شيئاً من الخداع) فالإجتهاد دائماً يتغلب على الحظ.

وقد يتبادر إلى ذهنك سؤالًا؛ إذا فرضت الولايات المتحدة الدولار كغطاء نقدي بدلاً من الذهب، فما الذي يغطي الدولار أو يحدد قيمته؟ الجواب هو لا شئ يغطي الدولار ويحدد قيمته الحقيقية إلا الثقة أو القوة العسكرية..!

وليس من المتوقع في المستقبل القريب أن ينتهي التعامل بالدولار أو ينتهي كونه غطاءً نقدياً إلا في حالة ظهور قوة عسكرية غاشمة تستطيع فرض نظام مالي جديد على العالم وتنحية الولايات المتحدة من كرسي ‘إدارة العالم’.

وأخيراً هل ترى أن الإقتصاد العالمي بعد الأزمات المالية المتتالية يحتاج لعودة غطاء الذهب أو التعامل بالنقود الذهبية والفضية مرة أخرى؟ وهل ترى قوة تقترب من تنحية الولايات المتحدة من منصب إدارة العالم؟ أكتب لنا رأيك مشكوراً في مربع التعليقات.

مؤسس المدونة، مهتم بالشؤون الإقتصادية والتجارية وحاصل على دبلومات في مجال التجارة الدولية - صناعة المحتوى - التجارة الإلكترونية - التسويق الإلكتروني. هدفي هو تقديم كل المعلومات التي يمكن أن تفتح مجالات للأعمال، وأستقبل جميع مقترحاتكم وتعليقاتكم وانتقاداتكم بصدر رحب.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا